دخول

سورة الأحزاب 21 - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

في ظلال القرآن

قال تعالى {كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا}

الدرس الخامس:21 الإقتداء الحسن بالرسول عليه السلام
ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف , وتلك كانت صورتهم الرديئة . ولكن الهول والكرب والشدة والضيق لم تحول الناس جميعا إلى هذه الصورة الرديئة . . كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام , مطمئنة في وسط الزلزال , واثقة بالله , راضية بقضاء الله , مستيقنة من نصر الله , بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب .
ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله [ ص ] .
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر , وذكر الله كثيرا). .
وقد كان رسول الله [ ص ] على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد , مثابة الأمان للمسلمين , ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان . وإن دراسة موقفه [ ص ] في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم ; وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ; وتطلب نفسه القدوة الطيبة ; ويذكر الله ولا ينساه .
ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال . إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل .
خرج رسول الله [ ص ] يعمل في الخندق مع المسلمين يضرب بالفأس , يجرف التراب بالمسحاة , ويحمل التراب في المكتل . ويرفع صوته مع المرتجزين , وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل , فيشاركهم الترجيع ! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية:كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل , فكره رسول الله [ ص ] اسمه , وسماه عمرا . فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج:
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة "عمرو" , قال رسول الله [ ص ]:" عمرا " . وإذا مروا بكملة "ظهر" قال رسول الله [ ص ]:" ظهرا " .
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون , والرسول [ ص ] بينهم , يضرب بالفأس , ويجرف بالمسحاة , ويحمل في المكتل , ويرجع معهم هذا الغناء . ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم ; وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز .
وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب . فقال [ ص ] " أما إنه نعم الغلام ! " وغلبته عيناه فنام في الخندق . وكان القر شديدا . فأخذ عمارة بن حزم سلاحه , وهو لا يشعر . فلما قام فزع . فقال رسول الله [ ص ]:" يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك " ! ثم قال:" من له علم بسلاح هذا الغلام " ? فقال عمارة:يا رسول الله هو عندي . فقال:" فرده عليه " . ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبا !
وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب , لكل من في الصف , صغيرا أو كبيرا . كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة:" يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك ! " ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم , في أحرج الظروف . .
ثم كانت روحه [ ص ] تستشرف النصر من بعيد , وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ; فيحدث بها المسلمين , ويبث فيهم الثقة واليقين .
قال ابن إسحاق:وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال:ضربت في ناحية من الخندق , فغلظت علي صخرة , ورسول الله [ ص ] قريب مني . فلما رآني أضرب , ورأى شدة المكان علي , نزل فأخذ المعول من يدي , فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة . قال:ثم ضرب به ضربة أخرى , فلمعت تحته برقة أخرى . قال:ثم ضرب به الثالثة , فلمعت تحته برقة أخرى قال:قلت:بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما هذا الذي رأيت , لمع المعول وأنت تضرب ? قال:" أو قد رأيت ذلك يا سلمان " ? قال:قلت . نعم:قال:" أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن . وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب . وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق " . .
وجاء في "إمتاع الاسماع للمقريزي" أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان . رضي الله عنهما .
ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب , والخطر محدق بها محيط .
ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدا من استطلاع خبر الأحزاب وقد أخذه القرالشديد ورسول الله [ ص ] قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه . فإذا هو في صلاته واتصاله بربه , لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه - صلوات الله وسلامه عليه - بين رجليه , ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو . ويمضي في صلاته . حتى ينتهي , فينبئه حذيفة النبأ , ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه [ ص ] فبعث حذيفة يبصر أخبارها !
أما أخبار شجاعته [ ص ] في الهول , وثباته ويقينه , فهي بارزة في القصة كلها , ولا حاجة بنا إلى نقلها , فهي مستفيضة معروفة .
وصدق الله العظيم:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر , وذكر الله كثيرا). .
 


قراءة القرآن الكريم

مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

هل ستحتفل بشم النسيم؟