دخول

فقدان الرجل لعمله يسلبه استقرار أسرته

يعد الرجل عماد البيت والركيزة الأساسية التي يبني عليها الكيان الأسري، بدءاً من توفير الاحتياجات الرئيسية لأفراد هذه الأسرة، وتوفير مقومات الحياة لهم، وفقا لما درجت عليه العادة، إلا أن شعور الرجل بأنه عاطل بسبب توقفه عن العمل، خاصة إذا كانت الزوجة تتولي مهام كفالة البيت، الأمر الذي يسبب له ألما نفسيا كبيرا، تتحول معه الحياة إلي جحيم لا يطاق، وقد تنتهي الحياة بهما إلي الطلاق، خاصة بعد أن تختلط الموازين وتحدث المشكلات، ويصبح الوضع مغايراً لما درج عليه.
تصارحنا سلوي سليمان (متزوجة منذ تسعة أعوام وأم لطفلين)، بأن ذبولها وشحوب وجهها ليسا بسبب الإرهاق في العمل فحسب، فمعاناتها النفسية تضاعف معاناتها الجسدية، بسبب تحول علاقتها بزوجها، فجأة من قمة الاستقرار والرضا إلي قمة التوتر والمشاحنات.
وتؤكد إلهام أنها تكن لزوجها حباً كبيرا، لكنها تشعر بأنه تحول عنها. إذ تعتقد في بعض الأحيان أنه أصبح لا يطيقها، وتقول: "ما يصبرني علي الوضع أنني أعلم أن زوجي مخلص لي تماما، ولم أشعر بتغير علاقته بي إلا بعد فترة من إنهاء خدماته في عمله. والتي كانت أول مرة يجلس فيها بالبيت دون عمل. وهي المرة الأولي التي يتغير فيها روتين حياتنا".
الوضع أكثر تعقيداً مع زوج آية أيمن (ممرضة في أحد المستشفيات)، إذ يجلس في البيت منذ أكثر من عامين، بعدما استغنت الجهة التي كان يعمل لديها عن خدماته.
وتشرح آية وهي تبكي، حالتها المتأزمة مع زوجها، قائلة: "لا أنكر أن المشكلات كانت تشوب حياتنا من قبل، لكن الأمر لم يكن بهذه الحدة، فما إن ترك العمل حتي تفرغ لتوجيه الانتقادات القاسية لي، وإلقاء أوامر علي مسامعي طوال اليوم، وأقساها إيلاما، هي نبرة الشك التي أصبح يطوقني بها".. وتتابع: "لقد أصبح المجهود الذي أبذله مضاعفا، من رعاية شئون البيت وتوفير أساسياته، بالاعتماد علي مرتبي الذي لا يكفي، فضلا عن الضغوط النفسية التي أعانيها بسبب زوجي، فأنا أشعر بأنه يحملني إحباطاته بسبب عدم حصوله علي عمل".
وتشير آية إلي أن زوجها بات لا يتقبل أي اقتراحات منها أو آراء بخصوص حياتهما، عكس ما كان يحدث في الماضي، وتشكو قائلة: "إنكم لا تتصورون مدي حساسيته، فإذا اقترحت أي شيء يتعلق بالبيت، ينبري قائلاً عبارات من مثل، إنفاقك علينا لا يحلولك أن تتحكمي فينا، لكونك تصرفين علي البيت، لا يعني أن آراءك صحيحة، وهكذا.. وتتمني آية أن يجد زوجها عملا، ليس فقط ليخفف عنها عبء الصرف المادي، إنما كي تتخلص من معاملته السيئة لها.

دور غائب

وعلي الجانب الآخر، يري شريف عادل (موظف)، أن الحياة الأسرية، هي علاقة وطيدة بين أفراد الأسرة، وتحديداً بين الزوج والزوجة، إذا تعرضت هذه الحياة لأزمة ما، فإنها ستنعكس بلا شك علي الأطراف المعنيين.
لذا إذا واجه الزوج مشكلة في حياته العملية، كإنهاء خدماته ليجلس في البيت بلا عمل، فإنه حتماً سيعاني نفسياً واجتماعياً ومادياً.
ويبين شريف أنه في مجتمعاتنا العربية، يصعب أن يتقبل الزوج عمل زوجته، وأن تصرف عليه، وهو جالس في البيت من دون عمل، حتي ولو كانت الظروف قهرية أو خارجة عن إرادته، وتراه يكابر كي يكون، هو الممسك بزمام أمور بيته، إذ يقبل علي مضض، أو هو كاره، أن تعمل زوجته بدلا منه، وتسدد الالتزامات المادية للأسرة ولو بشكل مؤقت.
ويستدرك: تحت هذه الظروف، لابد أن يتقبل الرجل أن تقوم الزوجة بدور رب الأسرة، الذي يسير الأمور المادية للمنزل، علي أمل أن يجد عملاً مناسباً في أقرب وقت، ليعاود ضخ الحياة مرة أخري في جسد الأسرة، ويلعب الدور الذي وجد لأجله.
ومن وجهة نظر عاطف السيد (مهندس)، فإن الدين الإسلامي حينما تحدث عن توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة في الحياة، منح المرأة خصوصية تتعلق بالإنجاب ورعاية الأسرة، وهيأها بيولوجيا وعاطفيا لذلك، بينما هيأ الرجل للعمل، وأعطاه- بناء علي ذلك- حق القوامة، التي تعهد إليه بالإنفاق وتوفير الحاجات المادية لزوجته وأسرته. وهذا الأمر يجعله المسيطر علي زمام الأمور في بيته ويحقق له كينونته، لكن حينما تنقلب الأدوار لأي طرف، مؤقتا كان أم دائماً، فإن هذا الأمر لابد أن تصاحبه مصاعب ومشكلات، تتمثل في عدم قبول الرجل لهذا الوضع، لأنه يسحب بساط القوامة من تحت رجليه، ويسلبه قوته التي يعتز بها.
وبتابع: هناك غيرة الرجل علي امرأته التي يعتقد أنها عندما تعمل، تكون مضطرة بينما يكون هو عاطلا، فإن ذلك ربما يجعلها عرضة للاستغلال، ما يقلقه ويؤرق مضجعه، حتي إن لم يكن وضعها كذلك.
ولا يخفي عاطف عدم ارتياحه في حال تعرضه لظروف من هذا النوع، قائلا: "سأسعي، بكل الطرق، إلي أن أجد عملا، حتي وإن لم أكن مقتنعاً به، لكنني في الوقت نفسه، سأقدر مجهود زوجتي في هذا الشأن وحرصها علي سد العجز المادي العارض، وسأعبر لها دوماً، وفي كل فرصة، عن امتناني لما فعلته وتفعله من أجل أسرتنا".

حكمة الزوجة

ولا تنكر فاطمة محمد إبراهيم استشاري نفسي بطب قصر العيني، أن هذا الوضع صعب علي الرجل تقبله، خاصة في مجتمعنا العربي، فتقبل الرجل له يعتمد علي تركيبته النفسية والاجتماعية. فثمة رجال متفتحون ذهنياً واجتماعيا، لديهم من الثقة بأنفسهم ما يحميهم من الوقوع في فخ المشاعر السلبية، التي تنتابهم حينما يقصرون في الالتزام بالمسئوليات الماديةالمنوطة بهم، كأرباب أسر، كما أن هذه الثقة تحصنهم من الاستسلام للإحباط والاكتئاب.
وتضيف: إن هؤلاء الرجال يؤمنون بأن الوضع لابد أن يتغير لمصلحتهم عما قريب، بينما تجد نوعاً آخر من الرجال الذين لا يثقون بأنفسهم بما فيه الكفاية، فتحدث أزمة كهذه تسبب لهم اضطراباً لا يستطيعون أن يعبروا عنها ، من خلال اضطهاد زوجاتهم استجداء لشعور مزيف بالسلطة والقوة، فالإنفاق في المجمتعات العربية من المهام المقترنة بالرجل الشرقي، التي يعتبرها جزءا من رجولته.
وعلي صعيد العلاقة الزوجية بين الزوجين ودرجة متانتها، تقول: إنهما من يحددان كيف يمكن أن يجتازا هذا الظرف الصعب، فكلما كان هناك تفاهماً ووئاماً بينهما، كلما سهل الأمر علي الرجل، إذن فهو يقدر ما تفعله زوجته، بأنها تقوم بذلك من منطلق حبها لزوجها وبيتها، ولتسيير دفة الحياة التي عجز هو عن تسييرها، فترة مؤقتة، كما يشعر بأنهما وحدة واحدة ولا فرق بينهما.
وتتابع: إن القضية تحتاج إلي حكمة وصبر كبيرين من المرأة، فعلي الزوجة أن تكون عالمة بما يحدث في صدر زوجها، وتحاول أن تمتص المشاعر السلبية لديه، بأن تؤكد له في كل ما تقوله أو تفعله، إنه رجل البيت، ولا تحاول أبداً أن تقوم هي بهذا الدور، وأيضا عليها أن تتعامل مع مسألة إنفاقها علي البيت تماما بروح أرحب، كما تتعامل مع مهامها الأسرية الأخري، بمعني أن تشعر الرجل بأن هذه المسألة واجبة عليها، وتطمئنه علي الدوام بأنها لا تقوم بذلك، لتسحب منه أيا من سلطاته.
فالحياة الزوجية مصير مشترك وموحد، وما يجنيه الرجل والمرأة من رصيد من أي وظيفة، يصب في مصلحتهما معا، بالتالي يجب ألا تكون هناك سياسة بين الأزواج في المعاملات المادية، لأن هدفهما المشترك، هو تحقيق الأمن الاقتصادي لهذه المؤسسة التي تجمعهما، مع الوضع في اعتبار الرجل أن ما يمر به ظرف طارق يجب أن ينهض منه بسرعة للحفاظ علي أسرته.

 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟